30 أكتوبر 2009

القصيمي ورحلة اليتم والسلفية والإصلاح

هو أبو محمد عبد الله بن علي القصيمي ولد بإحدى قرى مدينة البريدة في منطقة القصيم شمال نجد بالمملكة العربية السعودية عام 1907 وعندما بلغ الرابعة من عمره لقى أول هزة له في حياته عندما انفصل والده عن والدته، فغادر أبوه الى الشارقة وتزوجت أمه في قرية أخرى.بقي القصيمي وحيدا يواجه تحديات الحياة الصعبة والمختلفة فأحتضنه جده لأمه إلا أنه لم يحصل على الراحة النفسية عنده فهرب منه وهو في العاشرة من عمره يبحث عن أبيه وقاده البحث الى الاستقرار في مخيم للمهاجرين في مدينة الرياض وهناك ابتسم له القدر، فقد صودف أن جاء وفد من الشارقة الى الرياض وكان رئيس الوفد صديقا لوالد القصيمي فارتحل القصيمي معهم الى الشارقة وفي ذهنه شيء واحد فقط وهو ملاقاة أبيه.وصل القصيمي إلى الشارقة وعمره لم يتجاوز الحادية عشرة وهناك كانت لحظة اللقاء السعيد بعد طول فراق وكان والد القصيمي يعمل في التجارة ويمارس في الوقت نفسه الوعظ والإرشاد في المسجد.ولكن هذا اللقاء لم يدم طويلا وفجع الولد بأبيه مرة أخرى ولكن هذه المرة بشكل نهائي فقد ارتحل والد القصيمي بعد سنتين فقط من اللقاء بينهما أي سنة 1922. (1)دراستهبعد وفاة والده، رافق عبد الله القصيمي أحد أصدقائه ويدعى أبو راشد الذي يكبره بعدة سنوات في جولة علمية شملت العراق والهند وسوريا الى أن وصل الى الأزهر الشريف بمصر وكان عمره 19 سنة.كان القصيمي بحكم نشأته والبيئة النجدية الصحراوية التي تربى بها سلفيا شديد التعصب لمذهبه وقد قاده ذلك الى الاصطدام مع جميع المذاهب الإسلامية وخاصة مع المذهب الأشعري الذي كان – ولا يزال –السائد في الأزهر الشريف ودخل في جدال عنيف مع شيخ الأزهر – آنذاك – الشيخ يوسف الدجوي أسفر عن تأليفه كتاب «البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية» كما دخل في جدال عنيف أيضا مع العلامة الكبير الشيخ محمد زاهد الكوثري زميل الدجوي وأحد كبار علماء أهل السنة – آنذاك – والذي كتب عدة ردود فكرية على القصيمي موجود بعض منها في كتابه «مقالات الكوثري» .وفي تلك الفترة أيضا ألف عبد الله القصيمي كتابه الشهير «الصراع بين الإسلام والوثنية» في الرد على المذهب الشيعي كما ألف أيضا كتاب «الثورة الوهابية» وبعض الكتب الدينية الجدلية الأخرى ذات الطابع السلفي.القصيمي وكتاب الصراعمن أشهر كتب القصيمي وأكثرها ذيوعا وصيتا في فترة التزامه بفكره الديني كتاب «الصراع بين الإسلام والوثنية» الذي ألفه في ثلاثة أجزاء ضخمة ردا على المذهب الشيعي وانتصارا لمذهبه وفكره السلفي وأذكر أن هذا الكتاب قد وظف سياسيا وطائفيا في الثمانينيات من القرن الماضي ضد الثورة الإيرانية التي كانت تخوض حربا ضروسا ضد العراق وكان يوزع مجانا وبشكل واسع في بعض العواصم العربية على رغم تراجع مؤلفه عن آرائه تلك وتسفيهه لها بعد ذلك بعد انقلابه الفكري.وقد فرح السلفيون كثيرا بذلك الكتاب واستبشروا به كثيرا حتى أن بعضهم عده من أفضل الكتب وأقواها حجة التي ألفت في الرد على الشيعة وبالغ بعضهم كثيرا حتى روي أن بعضهم قال للملك الراحل عبد العزيز بن سعود «لقد دفع القصيمي مهر الجنة بكتابه هذا»وسارع الكثيرون من العلماء لتقريظ الكتاب والثناء عليه شعرا ونثرا فمما قاله امام الحرم المكي يومذاك من قصيدة طويلة:ألا لله ما خط اليراع لنصر الدين واحتدم النزاعصراع بين إسلام وكفر يقوم به القصيمي الشجاعوفي الجانب الآخر تصدى علماء الشيعة لهذا الكتاب وهاجموا القصيمي واتهموه بإثارة النزاعات الطائفية وبأن كتابه مليء بالمغالطات والأكاذيب حول المذهب الشيعي وأبرز من تصدى له الشيخ عبد الحسين الأميني في الجزء الثالث من كتابه الضخم «الغدير» والسيد محسن الأمين العاملي في بعض كتبه مثل «كشف الارتياب»
الانقلاب الفكري :
في عام 1946 فاجأ عبدالله القصيمي الجميع بتأليفه واحدا من أروع وأهم كتبه وأكثرها شهرة صنفه خصومه بأنه بوابة العبور الى الإلحاد وبعضهم عده الإلحاد بعينه، أما أصدقاؤه والمعجبون به فقد وصفوا الكتاب بأنه ثورة فكرية ويمثل ثورة العقل ضد الجهل والتخلف. إنه كتاب «هذي هي الأغلال» ومن يقرأ هذا الكتاب دراسة منهجية جاده وبتمعن فيه فسيجد نفسه أمام عملاق فكري عظيم وكتاب يمثل بالفعل ثورة فكرية على الجمود الديني والتخلف العلمي وقد رأى شيخ الأزهر حسين القياتي أن هذا الكتاب وضع عبد الله القصيمي بين المصلحين الكبار ومما قاله: «شكّل ابن خلدون رائد الاشتراكيين طليعة الإصلاح في الشرق، وشكل الأفغاني وتلميذه محمد عبده والكواكبي جوانبه، أما القصيمي فهو قلبه».أما المصلح الكبير وشيخ الأزهر – في الستينات محمود شلتوت – فقد أعرب عن أسفه من أن جامعة الأزهر لم تتمكن خلال تاريخها الطويل الذي امتد الى ألف عام من وضع كتاب بمستوى «هذي هي الأغلال» وقد أشاد الكاتب الكبير عباس محمود العقاد أيضا بالكتاب في مقالة كتبها في مجلة الرسالة العدد رقم 695.أما السلفية رفاق القصيمي السابقين فقد طعنوا في الكاتب والكتاب وتبرأوا منهما حتى أن الشيخ عبد الرحمن السعدي ألف كتابا أسماه «تنزيه الدين ورجاله مما افتراه القصيمي في أغلاله»وعندما اشتدت حملة المحافظين في مصر وفي المملكة العربية السعودية على القصيمي وكتابه تدخل كبار رجالات مصر في القضية وكتب حينذاك الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر المرحوم المفكر المصلح الفيلسوف مصطفى عبد الرازق الى المرحوم الملك عبد العزيز بن سعود يدافع عن قضايا الكتاب ويشرح له قيمته ويخطىء ثورة الثائرين عليه ويستنكر الاستجابة لهم وكذلك كتب الى الملك الراحل في الموضوع نفسه محمد علي علوية باشا أحد كبار الزعماء والمصلحين وكتب أيضا الأستاذ أحمد حسين واسماعيل مظهر وغيرهما. (2)
القصيمي والأغلال :
ينقل عبد الله القصيمي في مقدمة كتابه عبارة جميلة لأحد فلاسفة الغرب تقول «إن الدين إذا فسد العمل به صار آلة ضعف وانحطاط»ومن هذه المقولة انطلق الأستاذ عبد الله القصيمي في تأليف كتابه المهم هذا وناقش فيه أهم أسباب تخلف المسلمين الحضاري قياسا الى الأمم الأخرى التي تقدمت وعرفت طريقها الى النجاح والتطور وقد علل القصيمي هذا التخلف بأنه ناتج عن فهم خاطىء للدين وأرجع ذلك الى عدة أسباب منها:1 – النظرة السلبية الى المرأة.2 – النظرة السلبية الى العلم.3 – الفهم الخاطىء لمفهوم التوكل.4 – عدم فهم قوانين الطبيعة والأخذ بالأسباب.وهذه أهم محاور الكتاب الرئيسية ثم أسهب القصيمي في مناقشة هذه السلبيات بلغة علمية أدبية رصينة لا يمل منها القارىء وذكر بأن سوء فهم المسلمين لبعض الأحاديث النبوية لعبت دورا أساسيا في الانحطاط العلمي والتخلف الحضاري الذي يعيشه المسلمون واستشهد القصيمي بعدة أحاديث رأى القصيمي أنها لا تصح نسبتها الى رسول الله لأنها تخالف بديهيات العقل والمنطق السليم.وضرب القصيمي مثلا ببعض الروايات التي تمدح الفقر وتذم الحياة الدنيا وهي كثيرة جدا ولا يخلو منها كتاب بل أستطيع أن أقول بأننا لو جمعنا جميع المؤلفات التي ألفها علماء الدين ثم جهدنا على أن نخرج منها كتابا واحدا أو رسالة واحدة لا تمدح الفقر أو الشقاء ولا تذم الحياة أو الجمال لأعوزنا هذا الكتاب وما وجدنا تلك الرسالة.ومن يطالع أحوال المسلمين اليوم يجد وبكل وضوح صدق ما قاله القصيمي فغالبية المسلمين ما زالت تنظر الى الغنى نظرة سلبية جدا وتكال اليه الاتهامات وسوء الظن والوصف بأنه سارق ومرتش وما الى ذلك من اتهامات.ومن القضايا المهمة التي بحث فيها القصيمي في هذا الكتاب وكتب أخرى مسألة العلية أو الأسباب والمسببات وكيف يجب أن نفهم قوانين الطبيعة إذ أن الشائع بين عامة المسلمين اليوم أنه ما من مصيبة تحدث أو كارثة كبيرة تحصل بالمسلمين أو أي أمة أخرى إلا لأنهم يستحقون ذلك بسبب الذنوب والمعاصي التي يرتكبونها وعدم شكرهم لنعم الله الكثيرة حسب قولهم وأذكر أنه بعد كارثة تسونامي الأليمة نهاية سنة 2005 وبينما أعلن العالم المتحضر تضامنه مع ضحايا الكارثة وأرسلت الكثير من المساعدات العينية والطبية للمناطق المنكوبة سمعت بعض الخطباء يمارسون الشماتة في ضحايا الكارثة وأن سببها هو المعاصي الكثيرة التي ترتكب في تلك البلاد وذنوبهم الكثيرة وأنهم لو كانوا يذكرون الله لما أصابتهم تلك المصيبة وسمعت أيضا بعض أشباه المثقفين يرددون كلام ذلك الخطيب وأمثاله.


القصيمي بعد «الأغلال» :
بعد الضجة الكبيرة التي أحدثها القصيمي بكتابه «هذي هي الأغلال» وخاصة في مصر والسعودية اعتزل الحياة العامة واقتصر جل وقته على عقد ندوات فكرية وخاصة مع الشباب اليمنيين الأمر الذي دعا الحكومة المصرية إلى طرده من مصر فذهب الى بيروت وبعدها بسنوات سمح له بالعودة الى مصر مع أسرته.وبين عامي 1946و1963 توقف الأستاذ عبد الله القصيمي عن التأليف حتى فاجأ العالم بكتابه الضخم والمثير «العالم ليس عقلا» وقد وصف المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري هذا الكتاب بأنه من ضمن عشرة كتب استطاعت التأثير وبقوة في العقل العربي طوال النصف الثاني من القرن العشرين (3) وقد وقف المفكرون العرب من هذا الكتاب ما بين مؤيد ومعارض ففي الوقت الذي انتقد فيه العالم اللبناني الشهير الشيخ محمد جواد مغنية هذا الكتاب في مقال نشره في مجلة الآداب اللبنانية وانتقد فيه ما أسماه بتشكيك القصيمي للقيم والمعتقدات الدينية وعزا تخلف العرب والمسلمين إلى وجود أشخاص مثل القصيمي نجد كاتبا آخر وهو ميخائيل نعيمة يصف الكتاب بأنه لا مثيل له في الفكر العربي قديما وحديثا ويصف مفكر آخر وهو الأستاذ جورج جرداق الكتاب قائلا: إنه كتاب فريد في اللغة العربية وأنه لقليل مثله في التفكير الغربي» ووصف الذين هاجموا الكتاب وانتقدوه قائلا: وآمل أن يصبح أبناء هؤلاء الذين يهاجمون الكتاب يوما ما صالحين لأن يكونوا مواطنين لعبد الله القصيمي وقال عنه الشاعر الحداثي السوري والمفكر أدونيس: «لا تستطيع أن تمسك به فهو صراخ يقول كل شيء ولا يقول شيئا يخاطب الجميع ولا يخاطب أحدا أنه الوجه والقفا ثائر ومتلائم ملتزم وغير ملتزم برىء وفتاك». (4).بعد هذا التطور في فكر عبد الله القصيمي انطلق في مسيرة فكرية شاقة نادرة قل نظيرها في مسيرة الفكر في العالم العربي فألف كتابه الضخم «العالم ليس عقلا» سنة 1964 ثم كتاب «أيها العقل من رآك» إلا أن أشهر كتبه كان «العرب ظاهرة صوتية» الذي ألفه سنة 1977 وانتقد فيه ظاهرة الكلام بدون فعل عند العرب وقد لقي هذا الكتاب ردود فعل واسعة وعديدة عند المثقفين العرب ما بين مؤيد له ومعترض ومن الكتب الأخرى التي ألفها القصيمي كتاب «كبرياء التاريخ في مأزق» سنة 1966 وكتاب «هذا الكون ما ضميره» في نفس السنة أيضا.بلغ القصيمي أوج شهرته الفكرية بين عامي 1967 و1972 وذلك بسبب بعض الظروف التي مرت بالأمة العربية وساهمت في بلوغ القصيمي هذه الشهرة ومن ضمنها الهزيمة التاريخية سنة 1967 التي أدت الى إطلاق موجات من النقد العنيف في العالم العربي ساهم فيها مفكرون كبار أمثال القصيمي والمفكر السوري صادق جلال العظم وغيرهما وفي هذه السنوات النقدية تمت إعادة طباعة الكثير من كتب القصيمي وحققت شهرة كبيرة أكثر من السابق مثل كتاب «العالم ليس عقلا» وكتاب «كبرياء التاريخ في مأزق» وكتاب «فرعون يكتب سفر الخروج» وغيرها .
.القصيمي والتعصب الديني :
لقد أدرك المفكر عبد الله القصيمي من خلال انطلاقته الفكرية الأولى والتعصب الذي مارسه في أغلب كتبه التي كان قد ألفها في فترة ممارسته الدينية أن التعصب الديني والفكري لا تؤدي إلا إلى بث الكراهية وثقافة الاستئصال والإقصاء بين الأمم والشعوب ولذلك أحدث التغيير الفكري الذي طرأ عليه بعد ذلك تغييرا كبيرا في رأيه في التعصب والنظرة إلى الآخر ولذلك دعا في أغلب كتبه الأخرى ومقالاته إلى نبذ التعصب الديني والفكري والانفتاح على الآخر من خلال قراءة فكره ومناقشته وممارسة حق الاختلاف المعرفي معه ففي كتابه «هذا الكون ما ضميره» يسخر القصيمي من المناظرات العقيمة التي لا تؤدي إلا الى تعميق العداوة وتوسيع شقة الخلاف بين المتناظرين حيث يقول: «أنك لن ترى منظرا ساخرا ومهينا أبلغ من أن ترى رجلين أو طائفتين مختلفتين على المذهب أو العقيدة أو النظام أو الإله تدخلان في حوار حاد هذه الطائفة ترى أنها هي الحق كل الحق وأن المخالفة لها هي الباطل كل الباطل ثم تدعي الطائفة الأخرى نفس الدعوى أن الرجلين أو الطائفتين لتستحقان كل الرثاء بدل الغضب أو الكره»(5).ويدعو في موضع آخر من كتابه الى الانفتاح على الآخر من خلال الانفتاح على فكره وعقائده وترك عقدة الخوف من الآخر وضرب مثلا بالقرآن الكريم الذي نقل عقائد المخالفين وناقشها في الكثير من آياته حيث يقول: «وقد نقل القرآن مذاهب الكافرين والمخالفين في الدين ونقل مقادحهم وخلافاتهم ومناقضاتهم العنيفة الجارحة وحولها قرآنا يتلى في المعابد وفي كل مكان وزمان ويعبد الله ويصلي له بتلاوته وبالاستماع الى تلك المقادح والمناقضات ولم يخش على المؤمنين أن يسمعوا تلك المذاهب والآراء المخالفة بل المحاربة المتهمة المجرحة»(6).
القصيمي والصراع العربي الإسرائيلي :
لقد تطرق الأستاذ القصيمي الى الصراع العربي الإسرائيلي والعلاقة مع اسرائيل في كثير من كتبه ومقالاته فهو يعتقد أن اسرائيل قد فضحت العجز العربي على مواجهة التحديات الصعبة فاسرائيل بالنسبة للعرب كما يعتقد القصيمي ليست سوى جهاز كشف وفحص لقد جاءت أسرائيل بالنسبة الى العرب أصدق واقسى جهاز كشف وفحص ولم يمكن ممكنا أن يوجد جهاز كهذا الجهاز ليوقع على كل هذه الفحوص والكشوف بكل هذا الصدق والشمول والقسوة لو لم توجد أسرائيل.ويتساءل القصيمي وبحسرة شديدة عن سر خوف العرب المستمر على مستقبل مائة وثلاثين مليون انسان ( طبقا لإحصائيات عصره ) ويتصور بأن ذلك يدل على شيء لا نموذج له في الهجاء والتحقير وفي اليأس من الكينونة القوية المتكافئة مع ضخامة العدد وضخامة الإمكانات أن ذلك ليس إلا أسلوبا من أساليب الحكم بالإعدام.ويستمر القصيمي في حسرته ويقول «وجميع العرب يتحدثون عن الخوف على مستقبلهم من اسرائيل من وجود اسرائيل أذن جميعهم يائسون من أنفسهم وجميعهم يحكمون على أنفسهم وعلى احتمالات تطورهم وتحضرهم بالإعدام»(7)اسرائيل إذن وفق رؤية القصيمي ليست موجودة وإنما الذي أوجدها هم العرب أنفسهم بضعفهم وتشرذمهم وانقساماتهم المتعددة.القصيمي في آخر أيامهوفي آخر سنوات عمره فضل الأستاذ والمفكر الكبير عبد الله القصيمي العزلة عن المجتمع وخلا بنفسه في شقته في القاهرة ولم يكن يسمح بالدخول عليه سوى للصفوة من أصدقائه الى أن وافاه الأجل في التاسع من ينايرسنة 1986 ولم يعلم بوفاته إلا الذين عاشوا مع القصيمي والذين عرفوا القصيمي والذين حاربوه أيضا .
.مصادر البحث :
1 – سيرة القصيمي أخذتها من كتيب «دراسة عن القصيمي» للدكتور صلاح الدين المنجد والملحق لكتاب «لئلا يعود هارون الرشيد» للقصيمي وكذلك عن بعض كتب القصيمي نفسه
.2– «لئلا يعود هارون الرشيد» عبد الله القصيمي ص 98 و 99
3– الدكتور محمد جابر الأنصاري في مجلة العربي الكويتية ص 42 تحت عنوان «عشرة كتب أثرت في العقل العربي»
.4– تجد هذه التصريحات في نهاية كتاب «هذا الكون ما ضميره».
5– كتاب «هذا الكون ما ضميره» للقصيمي ص 108.
6– نفس المصدر ص 131
7 - كتاب " لئلا يعود هارون الرشيد " للقصيمي ص 51
ملاحظة : نشر هذا المقال في ملحق " شرفات " في جريدة عمان بتاريخ 6 / مابو / 2009

29 أكتوبر 2009

عتمة في وضح النهار

في مسيرة الحياة المختلفة نلتقي مع أشخاص وأفكار وأماكن من مختلف الأشكال والالوان والأتجاهات الفكرية المختلفة فهناك شخص قد تلتقي معه لأول مرة فتعجب به وتعتقد بانه الصديق المثالي الذي ندر في الدهر مثله ولكن سرعان ما يأتيك الدهر من الأنباء ما لم تكن تحتسب فيتحول كل شىء الى سراب كان يحسبه الضمأن ماءا فأذا هو مجرد سراب خادع فقط .وفي عالم الأفكار قد تلتقي بمئات وعشرات الأفكار وعندما تدرسها نظريا تنبهر من روعتها وبريقها المضىء فتحسب أنها مثل نقطة الضوء التي كنت تبحث عنها في ظلمة الحياة ولكن سرعان ما تكتشف أنك كنت تعيش في وهم حقيقي فكنت ظننت التراب جوهرا ثمينا ولكن عندما خضعتها للمجهر فأذا بها مثل أي تراب عادي ولا يختلف عنها في شىء ولكن شخصا ما طلاها باللون الذهبي فحسبتها ذهبا . بدأ الفيلسوف العظيم نيتشه حياته متدينا وكشفت الوثائق التي نشرت عنه بعد وفاته أنه فكر في أثناء مراهقته في أن يدخل الدير ويصبح رجل دين ولكن البحث عن الحقيقة عصفت به بعد ذلك الى شتى الأتجاهات الى ان رمته الى أحضان زرادشت وعندها أكتشف ما أعتبره الحقيقة التي يؤمن بها وعندها فقط ألف سفره الخالد " هكذا تكلم زرادشت " الى نبذ نيتشه المسيحية لأنه لم يجد فيها الديانة التي كان يرجو أنها المثالية ولذلك اندفع نيتشه الى نقدها وفضح أخطاءها بعد ان كا ن يتمنى أن يصبح أحد رجالها والمدافعين عنها . كثيرة هي الحقائق التي تظل مخفية عنا في زحمة أنبهارنا بها بحيث من فرط حبنا نستغرق في حبها كما يستغرق العاشق في وصف معشوقته ولكن عند أول صدمة لنا نكتشف كم كنا أغبياء وكم أعمتنا التأمل في الشكل عن الغوص في الجوهر لاكتشاف حقيقته وعنئذ سوف نندم بعد أن نرهق نفوسنا برميها في دائرة الحزن واللف والدوران في قبلته الغير مقدسه .أعجبني جدا هذا المقطع من كتاب " سخرية الموت " لبيدوس حيث يقول :" ان ملامح هذا العالم كاذبة لأنها تمثل وجها يغطي على القبور والأعماق الملتهبة ولا شىء حقيقي الا كل ما هو مرعب ولو أستطاع الانسان أن يرى المخاطر والأمراض التي تحيط به في المسافة التي يقطعها كل يوم محاولة الأنقضاض عليه أو متهاوية خلفه بعد أن تسلب منه شيئا عند مروره بها لو راها لعلم أن الحياة تشبه حاجا وحيدا أعزل محارب ضد ألف جندي " نعم يا سادتي فتخيل نفسك وأنت تمثل دور محارب أعزل ضد ألف جندي مسلح فماذا تتوقع النتيجة ؟الأسلم لك هنا هو عدم الدخول في المعركة أصلا لأنها محسومة النتيجة وأي دخول فيها قد تتسبب في مأساة لك ولكن هذه المأساة يا سادتي أفضل ألف مرة من مأساة أخرى لن تنتهي بموتك كما في المعركة ضد ألف رجل ولكنها معركة قصيرة ولكن نتيجتها طويلة وطويلة وأثارها تبقى لفترة أطول وشعورها أقوى ومرارتها أعمق . لا شىء في الدنيا أقسى على الأنسان عندما يكتشف ما يسبب صدمة له سواء على مستوى الفكر أو مستوى الواقع الشخصي قد نكتشف بعد فترة أننا كنا نعيش في فكر خاطىء وعند ذلك قد نتحسر على أيام مضت كنا نضحي فيها بالغالي والنفيس من أجل الأنتصار لهذا الفكر وقد يدخل أحدهم في سبيل هذا الفكر ولكن سرعان ما نبدأ بالبحث عن فكر أخر ونكون حذرين من الدخول فيه والأيمان به .ولكن الصدمة تكون أقوى عندما تكتشف واقعا لم تكن تنتظره واقعا كان بعيدا عنك كل البعد وخاصة أذا كان هذا الواقع قريبا منك ومرتبط الصلة بك وعنئذ تكتشف كم أحيانا تفلت منا التحكم بعواطفنا وننطلق في أمور سرعان ما ترتد علينا كالسهام الغادرة عندما تأتي من الوراء وتنهش جسمك نهشا وتتركه بلا حراك وتكون كالحسين وحيدا وغريبا وسهام الكذب تحيط بك من كل جانب ولا تقوى على الحراك .لا بأس يا سيدي لا بأس ففي رحلة الحياة الطويلة تصادف كل تيارات الحياة المختلفة وكل تيار يدعي أنه التيار الأفضل ولكن مع مرور الليالي والأيام تنكشف حقيقتها وتنزع أخر قطعة من ملابسها حتى تبدو تظهر أمامك بحقيقتها المرة المهم هو عدم الأنسياق مرة أخرى أمام المظاهر الكاذبه والتي تحاول أن تتستر بلون الفضيلة والحياء ولكن واقعها الحقيقي يكشفها .

قراءة في فكر علي الوردي - الجزء الأخير -

وتستمر رحلة علي الوردي. فيدخل بكتابه «مهزلة العقل البشري» أشياء خطيرة إلى الثقافة العربية الإسلامية. حيث يقدم الوردي في هذا الكتاب خلاصة أبحاث علم الاجتماع حول حتمية نشوء التنازع في الجماعات البشرية. ثم يلتفت لموقف المثاليين من نشوء التنازع في تاريخنا.يقسم الوردي المجتمعات إلى قسمين: مجتمع متحرك، وساكن. المجتمع المتحرك يكثر فيه النزاع، وهذا يقود إلى الصراع ثم التجديد. أما المجتمع الساكن ـ وهو شائع في التجمعات البدائية ـ فلا نزاع به، بل أفراده متماسكون ومؤمنون بما عندهم.ترجع الأبحاث الاجتماعية ـ كما أشار الوردي ـ أسباب التنازع لطبيعة الإنسان، فالإنسان مجبول على ذلك بحكم تكوينه وإن قل التنازع الفعلي في محيطه للجأ لاصطناع تنازع وهمي ليروح به عن نفسه كالمصارعات والألعاب التنافسية. ويؤكد الوردي أن حتمية النزاعات تقودها استحالة إشباع الحاجات البشرية، وحب الإنسان لذاته. فالصراعُ هنا ليس صراعاً على الموارد والإنتاج كما هو الحال عند الماركسيين، بل هو صراع من أجل المكانة والتقدير أيضًا.الإنسان يقود الصراع إذن، والصراع قد يتخد أشكالاً عدة وستكون له نتائج بطبيعة الحال. حب الصراع وايجاد النزاعات يقود الوردي للاعتقاد بأن الإنسان وحشي بالطبع مدني بالتطبع، وهذا معاكس لمقولة أرسطو «الإنسان مدني بطبعه». الميل للصراعات في الكائنات الحية رسمته بدقة النظرية الداروينة بصيغتيها البيولوجية والاجتماعية. إلاّ أن طبيعة النزاع عند الإنسان يحددها تطور المجتمع والوعي الجمعي. الصراع في المجتمعات الساكنة يكون على الغنائم والمصالح الشخصية، فلا يتطور المجتمع جراء هذه الصراعات. بينما يكون الصراع على أشده في المجتمعات المتحركة، وغالباً ما يكون الصراع على المبادئ والقيم والأفكار.والمجتمع المتحرك لا بد أن يحوي جبهتين على الأقل ليحصل الصراع. جبهة مع، وجبهة ضد الجديد. ويسترسل الوردي في وصف الفريقين: فمن يقف ضد التغيير يكون غالبًا من أهل المصلحة والسطوة والنفوذ، فكل إصلاح جديد مربك للنظام القائم وللمجتمع. المحافظون يرفعون شعارهم عالياً «ليس بالإمكان أبدع مما كان». أما دعاة التغيير فإنهم ينشدون الإصلاح وايجاد واقع أفضل ـ كما يرون. ومن خلال هذا الصراع يتحرك المجتمع نحو الأمام.طبيعة النزاع عند المسلمينوالمنطق القديم المنتشر في أمتنا لا يعترف إلاّ بأحادية الحقيقة. وقد نقد الوردي هذا المنطق في كتابه «منطق ابن خلدون». لذلك لم ير السلف إلاّ صحة موقفهم فيما كانوا يختلفون فيه. وعندما تغمد السيوف وتنتهك الدماء، يقول المنتصرون إننا لا نختلف على شيء، ولن نختلف. إننا أمة واحدة وعلى قلب رجل واحد، «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا». ولا تزال مواعظهم الرنانة تدعو إلى الوحدة والتمسك بالجماعة إلى يومنا هذا دون إدراك منهم أن هذا يناقض الطبيعة البشرية. نستقر هذا بوضوح في أدبيات المنتصرين وكتاباتهم عن أنفسهم وعن تاريخهم، وأن الله اصطفى بعضهم للقيام بدوره. ربما كان أبشع استغلال لنظرية الجماعة الواحدة هو ترويج الدولة الأموية لنظرية الجبر الإلهي، وأن الله اصطفى بني أمية ليحموا الإسلام والمسلمين، وبناء على ذلك فقد اتهموا كل خارج على دولتهم بالخروج عن الإسلام، ولا تزال ذات العقلية تتناسل في المجتمعات الإسلامية.وبعد انتهاء عصر الدولة الأموية وتقادم الزمن تبلور الفقه السُني على عدم جواز الدعوة للتجديد السياسي، أي أن الخروج على الإمام القائم محرم شرعاً وذلك تحت ذرائع شتى. ولا يفوت الحذق أنهم بذلك يدفعون المجتمع للسكون وللاستكانة للواقع وشرعنته. ولم ينتشر هذا الرأي لدى أصحابه إلاّ لكونهم موظفين عند الدولة القائمة، مستفيدين من الوضع القائم، وبذلك ينضمون للفئة المحافظة الرافضة للنزاع.لكن المجتمعات الحديثة أدركت حتمية حقيقة التنازع فاعترفت به وسمحت له، ونظمته في أطر سياسية واجتماعية واضحة، أبرزها ما بات يعرف اليوم بالديمقراطية حيث تتنازع الأحزاب في الأفكار والسياسيات ثم يحكم الشعب بالأغلبية لأحدهم ضد الآخر.رسالة الدين عند الورديلا شك أن الوعاظ الدينين يحاولون دعوة الناس للمثل العليا التي تحض عليها الأديان. إلاّ أن الوردي يشدد على أن من يحاول تغيير طبيعة الإنسان بالموعظة والكلام المجرد لا ينجح. يستمع الناس له بوقار وربما تسيل بعض الدموع حين يُذكرون بالعذاب لكن الناس لا تلبث تركض وراء الدنيا بعد سماع الموعظة.يعتقد الوردي أن القرآن به أكثر من المواعظ الدينية، ففيه دعوة للحراك الاجتماعي الأزلي بين الظالم والمظلوم، والمترف والفقير: «التاريخ في القرآن عبارة عن صراع مرير بين رجال من طراز فرعون ورجال من طراز موسى. وهذا الصراع المرير به مبادئ الحركة والتدافع الاجتماعي. يناشد المسلمون اليوم العلماء أن يقتبسوا من القرآن أسس علومهم وأدلة نظرياتهم العلمية. وهم بهذا يخدرون عقول المسلمين ويجعلونهم راضخين لجور الحكام بإهمالهم ما جاء به القرآن من مبادئ الحركة والتدافع الاجتماعي». ويقول أيضاً: إن «كل دين يحتوي على ظاهر وباطن. الباطن يتمثل بالمبادئ الاجتماعية التي جاء بها النبي. ولا يكاد يمر الزمن على الدين حتى يستلم زمامه الكهان، وعندئذ ينسى الناس مبادئ الدين الأولى ويهتمون بالطقوس الشكلية؛ إذ يتخيلون الله كأنه سلطان من السلاطين لا يريد من رعيته سوى إبداء الخضوع له ولا يبالي فيما سوى ذلك بشيء. والمُلاحظ أن المترفين هم أقدر الناس على القيام بالطقوس الشكلية، فيشيدون المساجد والأوقاف، فيخيل للناس أنهم أقرب إلى الله من غيرهم، ولعلهم يعتقدون أن الله مترف مثلهم».مراجعة الاشكاليات التاريخيةبالعراق طائفتان كبيرتان: سنة وشيعة. وقد نشأ الوردي في إطار هذا المجتمع المتمايز.ولا يفوت القارئ الصراع الدموي الذي شهده العراق في السنوات الماضية وقد دار بين هاتين الطائفتين. يرجع علي الوردي لبدايات التاريخ الإسلامي وأزماته التي أنتجت لنا إشكاليات عميقة. إنه يستطلع ظواهر هذا التاريخ وفقا لأسس علم الاجتماع.لاحظ علي الوردي أن المسلمين أثناء دراستهم للتاريخ ركزوا على الشخوص دون المبادئ، فهم يهتمون بأن يكون فلان أحب عند الله من فلان، أو أن فلان أشجع أو أعلم من فلان آخر. هذه القراءة للتاريخ لا تفيدهم في شيء بل تزيدهم تفرقة. ثم يلاحظ الوردي مرة أخرى البغضاء الكبيرة بين شيعة علي، وشيعة عمر رغم أنهما ينتميان لمدرسة محمد بن عبدالله.يعتقد الوردي أن المبادئ الاجتماعية التي سار عليها أبو بكر وعمر وعلي هي واحدة في حقيقتها، ولا بد من تفاوت واختلاف في تطبيقها بسبب اختلاف الظروف والطبيعة الفردية. لذلك لا معنى هنا لدراسة التفاضل بين هؤلاء. «لكن دراسة النزاع بين علي ومعاوية مهم لمعرفة التصادم بين مبدئين متضادين أحدهما يحرص على الأموال العامة، والآخر يريد أن يقسم أموال الأمة حسب مصالحه». الفرق كبير إذن ـ حسب الوردي ـ في نهج الحكم بين هؤلاء ومعاوية، لكن صراع الأتباع لم ينشأ بين هؤلاء الطرفين، لقد نشأ بين أصحاب المدرسة الواحدة، فما السبب؟يتتبع الوردي الروايات التاريخية جيداً في كتابه هذا ليخرج بنتيجة تشير بأصابع الاتهام إلى بني أمية، ومعاوية خصوصاً في تكريس وترسيخ الافتراق بين الجماعات الإسلامية منذ بدايات التاريخ الإسلامي. فمعاوية الداهية هو أول من اخترع مصطلح «الصحابة» ليرفعه ضد شعار «المهاجرين والأنصار» الذي رفعه علي بن أبي طالب. ثم يربط الوردي كذلك بين تكرار بعض المرويات عن الرسول التي تدعو ـ ولو من طرف خفي ـ لإطاعة معاوية. يقول الوردي: «نشأ مصطلح الصحابة مع معاوية لخلق شرعية له، في مقابل مصطلح المهاجرين والأنصار. وجاء أبو هريرة بحديث لمعاوية «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» ليقول معاوية لعلي: عندي من الصحابة ما عندك. لا ضير إن كانوا ممن قاتلوا النبي أو قاتلوا معه».إن تحول طبيعة الدولة في عصر معاوية من دولة تقوم على العدالة الاجتماعية والمالية إلى دولة تستأثر بالفيء والغنائم وترسخ التفرقة العنصرية أدى لنشوء معارضة مسلحة ضد الدولة الأموية اتخذت من عليّ وبنيه رموزاً لها. استلهم الثوار القيم التي نادى بها علي وعمار وأبو ذر في دعايتهم، واستطاعوا أخيرًا القضاء على الدولة الأموية إلاّ أن هذا وقع بعد حصول الافتراق بين هذه الجماعات الإسلامية.إن طبيعة الظلم الاجتماعي والمالي واحدة مهما اختلفت الشعارات والممارسات. الشيعة المعارضون للدولة الأموية ليسوا هم الشيعة الذين أتوا في العصور اللاحقة. يعتقد الوردي ألاّ فرق بين الشيعة المتأخرين وبين نظرائهم من المذاهب الأخرى، فهم جميعًا نسوا المبادئ التي نادى إليها أصحابهم، وتفرغوا للتعصب للظالمين كلٌ من شيعته. يقول الوردي: «الشيعة يحيّون ناصر الدين شاه، ويكرهون هرون الرشيد مع أن كليهما كانا ينهبان أموال الأمة ويشتريان الجواري ثم يبكيان بعد ذلك من خشية الله».اختلاف اليوملقد تغير العالم حقا عما كان عليه قبل قرون. لقد ماتت أفكار عديدة مثل: نظرية الحكم الإلهي، و نظرية الخلافة –وإن لم ينقح التراث منها. إن كان الحاكم في قديم الزمان يحكم باسم النص الديني، فإنه في عالم اليوم يحكم بعدد الأصوات التي يفوز بها. إلاّ أن هذه الديمقراطية ليست شعاراً جميلاً نشاهده في نشرات الأخبار، بل ينبغي أن تكون مسلك حياة لمريديها. ومسلك الحياة لن يسلك دون وعي الناس به وإيمانهم بضرورته.هذه النفرة باتجاه الديمقراطية في عالم اليوم، تدفعها شعور الجماهير بالظلم. وربما لا يكون الظلم مباشرًا على الجماعة بقدر ما هو شعور بحالة عامة من الظلم والغبن تتأتى من أحداث قد تكون فردية.إن الانقسام الكبير في المجتمع العراقي بسبب الافتراق المذهبي ستزول آثاره –كما يظن الوردي ـ بانتهاج الديمقراطية كمنهج حكم، ونسبية الحقيقة كركيزة لإعادة قراءة الماضي وتمحيصه لحاضر ومستقبل أفضل.
بقلم:
صالح بن عبد الله البلوشي
حمد بن سنان الغيثي

قراءة في فكر علي الوردي - الجزء الثاني -

يعد كتاب وعاظ السلاطين من أهم الكتب التي قام الدكتور علي الوردي بتأليفها، وقد صاحبت نشره ضجة كبيرة في العراق وصلت لحد التكفير والتهديد بالقتل، وصدور خمسة كتب للرد عليه، كان أشهرها كتاب "مع الدكتور علي الوردي في كتابه وعاظ السلاطين" للعالم الشيعي الشهير مرتضى العسكري الذي ما زال يطبع إلى اليوم. قدم الوردي كتابه إلى الذين ظلوا طوال التاريخ الإسلامي يمطرون الناس بمواعظهم وخطبهم الرنانة، فلم ينتفعوا منها بشىء لأنهم ـ حسب الوردي ـ دأبوا على وعظ المظلومين وتركوا الظالمين. وقد اتخذ الطغاة الوعاظ آلات في أيديهم لينذروا الناس بعذاب الآخرة وينسوهم بذلك ما حل بهم في هذه الدنيا من عذاب مقيم.وهذا الكتاب هو كغيره من كتب الوردي من حيث نقد المنطق القديم والقول بأن التاريخ لا يسير على هذا المنطق وإنما على أساس الطبيعة الإنسانية وما تحمله من نزعات وميول لا يمكن تغييرها بسرعة. شدد الوردي أيضًا على أن الأخلاق لا تكتسب من خلال الوعظ الأفلاطوني لأنها من نتاج الظروف الاجتماعية.موضوعات الكتابيختلف كتاب وعاظ السلاطين تماماً عن الكتب العديدة التي ألفت للبحث في التاريخ الإسلامي، فهو ليس ككتاب "محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية" للشيخ محمد الخضري، أو سلسلة أحمد أمين الشهيرة في التاريخ الإسلامي، إنما هو بحث في تاريخ الفكر الإسلامي على ضوء المنطق الحديث وهو ـ حسب اطلاعنا ـ الكتاب الوحيد في موضوعه الذي يعالج الكثير من موضوعات الفكر الإسلامي مثل: السلف الصالح، وشخصية عبد الله بن سبأ الأسطورية، وعلاقة قريش بالشعر، وشخصية عمار بن ياسر ودوره في أحداث الفتنة التي وقعت في صدر الإسلام، والعلاقة بين السنة والشيعة وغيرها من الموضوعات المهمة والتي يستحق كل واحد منها وفقة فاحصة.هناك أسباب عديدة دفعت الدكتور الوردي إلى تأليف هذا الكتاب منها موقفه المعروف من المنطق القديم الذي واصل نقده الشديد له في هذا الكتاب عبر نقده للأساليب الوعظية المتبعة اليوم. فالوردي يعتقد أن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده، لأنها كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة ولا يمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جبل عليه ذلك الشىء من صفات أصيلة.حول الوعظ الإفلاطونييخصص الدكتور الوردي الفصول الأولى من كتابه هذا لمناقشة ظاهرة الوعظ الديني التي استفحلت في التاريخ والحاضر الإسلامي. يعتقد الوردي بأن الوعظ المجرد يكون ذا ضرر بليغ في تكوين الشخصية البشرية إذا كان ينشد أهدافاً معاكسة لقيم العرف الاجتماعي. فعندما يذهب المسلم إلى المسجد أو المدرسة يسمع هناك وعظاً أفلاطونياً يحضه على ترك الدنيا والإقبال على الآخرة، فتبدأ أزمة نفسية بالتكون فيه، فهو كمثل حال جميع البشر يحب الدنيا وما فيها من ملذات ومغريات ولكن عندما يسمع كلام الواعظ يأمره بترك هذه الدنيا الخلابة يمسي حائرًا فضميره ووجدانه الداخلي يأمره بإطاعة الواعظ، لكن نفسه تجذبه من الناحية الأخرى نحو الدنيا جذباً لا خلاص منه، فهو إذن واقع بين حجري الرحى: لا يستطيع أن يترك الدنيا، ولامخالفة كلام الواعظ لأن ضميره يدفعه لتأنيبه خاصة أنه وُعد بالجنة التي سوف تكون من نصيب من يترك الدنيا للآخرة.والوعظ ليس المحدد الوحيد لسلوك الفرد، فالعرف الاجتماعي يسيطر على العقل الباطن للإنسان وإن كان معاكساً للوعظ. يقول الدكتور علي الوردي: "من خصائص الطبيعة البشرية أنها شديدة التأثر بما يوحي العرف الاجتماعي إليها من قيم واعتبارات، فالإنسان يود أن يظهر بين الناس بالمظهر الذي يروق في أعينهم، فإذا احترم الناس صفة معينة ترى الفرد يحاول شتى المحاولات للاتصاف بتلك الصفة وللتباهي بها والتنافس عليها".شر المجتمعات ـ حسب الوردي ـ هو ذلك المجتمع الذي يحترم طريقاً معيناً في الحياة في الوقت الذي ينصح الواعظون فيه باتباع طريق معاكس له. في هذا المجتمع ذي الوجهين ينمو الصراع النفسي لدى بعض أفراده ويأخذ بتلابيبهم وقد يلجأ كثير منهم الى حياة الانعزال أو الرهبنة. إنهم لا يستطيعون أن يوفقوا بين تلك الدوافع المتناقضة، ولذا نراهم طلقوا الدنيا وذهبوا إلى صوامعهم أو أبراجهم العاجية يجترون مثلهم العليا اجتراراً. أما الباقون من الناس ممن لا يستطيعون الاعتزال فنراهم يلجأون في سبيل التوفيق بين مبادىء الوعظ وقيم المجتمع إلى حيلة أخرى هي ما نسميها بازدواج الشخصية.ازدواج الشخصيةالمطالع لتاريخ وسيرة بعض الملوك والخلفاء يجد تناقضاً شديدًا يحيط في الكثير من جوانب حياتهم المختلفة. ينطبق عليهم وصف الوعظ الأفلاطوني فتجد أحدهم مثلاً يحيط نفسه بالحكماء والوعاظ ورجال الدين لوعظه وتعليمه السلوك الصحيح في الحكم وإصلاح الرعية، ثم تجده باكياً عند سماع الموعظة، أو متألماً بقوة عند علمه بوجود مظلومين في مملكته. لكنه في ذات الوقت يقتل ويفتك المعارضين له بأبشع الأشكال. إنه بهذا المعنى مزدوج الشخصية، وازدواج الشخصية هذا يختلف من بعض الوجوه عن النفاق، فالمنافق مزدوج في قوله أو فعله ولكنه يعرف أنه مزدوج إذ يتقصد هذا الازدواج لكي يتزلف إلى شخص أو يطلب منه شيئاً.أما مزدوج الشخصية فهو لا يدري بازدواجه، ولا يريد أن يدري، وله في الواقع وجهان: يداري الواعظين بأحدهما، ويداري بقية الناس بالآخر. وإذا ذكر بهذا أنكر وربما أرعد وزمجر. وللمثال يذكر الوردي قصة أهل الكوفة مع الحسين بن علي: فقد خرج الحسين بن علي من مكة في طريقه إلى الكوفة بعد أن طلبه أهلها للبيعة وخلع يزيد بن معاوية، فلقي في طريقه الشاعر المعروف الفرزدق فسأله عن أحوال الكوفه وأهلها وهو يتوقع أن يسمع أخبارا طيبة عنها. لكن الفرزدق أجاب بكل حزن: إن قلوب أهل الكوفة معك، ولكن سيوفهم عليك.برز الصراع النفسي وازدواجية الشخصية بقوة في تلك الفترة الزمنية. فأهل الكوفة الذين طلبوا من الحسين القدوم إليهم لإنقاذهم من سلطة بني أمية هم أنفسهم الذين خرجوا لقتاله. يقول الدكتور علي الوردي: "وهذه الأزمة تنتاب النفوس عادة في المراحل التاريخية الحرجة التي يصطرع فيها عاملان متناقضان: عامل المباديء العليا من جهة، وعامل الإغراء والطموح من الجهة الأخرى".لاحظ الوردي أن العرب يفوقون غيرهم من الشعوب في ازدواج الشخصية، والسبب في ذلك ـ حسب رأيه ـ هو وقوعهم تحت تأثير عاملين متناقضين من القيم: قيم البداوة وقيم الحضارة. فالأولى تحرض على الكبرياء وحب الرئاسة والتفاخر بالأنساب، في حين تؤكد القيم الإسلامية على التقوى والعدالة والخضوع لدين الله. لذلك أصبح العربي بدويا في عقله الباطن، مسلما في عقله الظاهر فهو يمجد الفخر والقوة بينما في أفعاله يعظ الناس بتقوى الله وبالمساواة بين الناس.السلف الصالحبحث الدكتور علي الوردي في كتابه مسألة السلف الصالح وكيف يجب علينا أن نتعامل مع هذه المسألة. يقول إن الواعظين يريدون أن يرجعوا بنا إلى صدر الإسلام وهم يشيرون دائماً إلى المسلمين الأولين قائلين: انظروا إليهم، لقد اتبعوا الحق فنجحوا، وليس لنا إلا أن نتبع طريقهم بحذافيره لكي ننال النجاح مثلهم.ينتقد الدكتور الوردي هذا المنطق لأن المسلمين في نظره نجحوا ثم فشلوا وليس لنا إلا أن ندرس عبرة النجاح والفشل في تاريخهم لكي نتعظ بها. يصف الوردي نظرة الوعاظ بأنها نفس نظرة المنطق القديم والتصنيف الثنائي الذي يقول إن الحسن حسن على الدوام والقبيح يبقى قبيحاً إلى يوم القيامة، والمنطق الاجتماعي الحديث يستخف بهذا الرأي فالحسن في نظر المنطق الحديث لا يبقى حسناً إلى الأبد، فهو في حركة وتغير مستمر.يفصّل الوردي حديثه أن الوعاظ يريدون منا أن ندرس الإسلام ونبارك حركته الأولى باعتبار أنها الحركة الخالدة التي لا تحتاج إلى تطوير، وهذا الرأي ـ حسب الوردي ـ لا يرضاه الإسلام نفسه ولا نبي الإسلام. فقد جاء محمد (ص) للناس بخطوة اجتماعية كبرى، وهو يعلم أن التاريخ يسير بخطوات متتابعة فلا بد إذن أن تعقب خطوته خطوات أخرى على توالي الأجيال من غير توقف.وهل كان السلف الصالحُ صالحاً حقاً؟ يتتبع علي الوردي نشوء الطبقة المترفة في المدينة، ثم انتشارها في بقية الأمصار الإسلامية. لقد عادت الطبقية الاجتماعية والترف المالي بأغطية إسلامية إلى الظهور مع توالي توارد الغنائم والجواري والعبيد إلى المدينة في عهد عمر وعثمان، وبذلك ذبلت القيم الاجتماعية التي نادى بها محمد(ص). ولعل عمر بن الخطاب أدرك ذلك فاتخذ تدابير تحد من انقسام المجتمع الإسلامي لكن خنجر أبي لؤلؤة حال دون إتمام مشروعه.في عهد عثمان انقسم السلف الصالح، فوقف الأغنياء منهم مع عثمان، أما الفقراء من أمثال أبي ذر وعمار وغيرهم فقد كانوا يؤلبون الناس ضد المترفين الذين استفادوا من غنائم الفتوحات. وقد أدى هذا لنشوء الفتنة، ونشأت معها أسطورة عبدالله بن سبأ.عبد الله بن سبأمن المسائل التي بحثها الوردي في كتابه شخصية عبد الله بن سبأ التاريخية. هذه الشخصية مثيرة للجدل، فقد حمّلها جل المؤرخين المسلمين مسؤولية الفتن التي ظهرت في بداية الإسلام، فابن سبأ ـ في نظرهم ـ حرك الصحابي أبا ذر للدعوة بإعادة تقسيم الأموال في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وهو الذي كان على رأس من ألب الأمصار الاسلامية للثورة على عثمان، وهو الذي جاء بفكرة الوصية والإمامة التي كانت أساس ظهور بعض الفرق الإسلامية. بهذا كان ابن سبأ وفقاً لهؤلاء المؤرخين ومن سار على ركبهم من أرباب الفرق منبع كل الشرور والمصائب والرزايا في بداية الإسلام إلى يومنا هذا.إذن شخصية ابن سبأ ـ كما يقول الوردي ـ خارقة جداً، ولا بد أنه كان يملك قوة نفسية استطاع أن يؤثر بها في جماهير المسلمين آنذاك، وقد كان هذا التأثير بليغاً كفاية ليثير الثورات ويمنع الصلح في معركة الجمل ويبث في الإسلام أفكارًا غريبة تبقى بعده إلى يومنا هذا.فيما تتجه معظم المرويات التاريخية لتثبيت يد ابن سبأ في أحداث الفتنة، نجد بعض الباحثين المحدثين يعتبرون هذه الشخصية أسطورية محضة، ومن هؤلاء طه حسين، مرتضى العسكري، عبدالعزيز الهلابي وغيرهم. لكن ما موقف صاحبنا علي الوردي من هذا؟يعقب الوردي على هذه الروايات: "يخيل لي أن ابن سبأ الذي ينسب إليه تحريك الثورة كان وهماً من الأوهام كما قال الدكتور طه حسين، ويبدو أن هذه الشخصية العجيبة اخترعت اختراعاً، وقد اخترعها أولئك الأغنياء الذين كانت الثورة موجهة ضدهم. وهذا هو شأن الطبقات المترفة في كل مرحلة من مراحل التاريخ إزاء من يثور عليهم فكل انتفاضة اجتماعية يعزوها أعداؤها إلى تأثير أجنبي". لكن علي الوردي لا يكتفي بذلك، بل يقرر أن أبا ذر الغفاري وعمار بن ياسر كان لهما الدور الأكبر في تأليب مسلمي الأمصار ضد الخليفة، لعدم التساوي في تقسيم الفيء. وبذلك يدخل أبو ذر وعمار ضمن جماعة السبئيين!قريشتتبع الوردي قصة قريش منذ بدء الإسلام ليس تتبعاً لقبيلة عربية فقط، بل لاندماج الدولة بأرستقراطيتها مع الدين، وهذا الدين الذي كان دين المستضعفين والمظلومين ثم تحوّل مساره فصار دولة فاتحة بها ملوك وأمراء ورعية وعبيد. رفضت قريش الإسلام لا لأنه ديانة توحدية، بل لأنها اعتقدت أنه يهدد نظامهما الاقتصادي ومكانتها الاجتماعية بين القبائل. فالمسلمون كانوا يصلون تجاه بيت المقدس، وفي هذا انحسار لدور مكة إن انتشر الإسلام. وبعد فتح مكة تم تحطيم الأصنام على يد الرسول، ويستغرب الوردي كيف لم يتأثر القرشيون من منظر الأصنام المحطمة التي كانوا يعبدونها طيلة حياتهم. كانوا يحاربون محمداً ثلاثا وعشرين سنة دفاعاً عن معتقدهم كما كانوا يقولون وإذا بهم يستكينون أمام الواقع الجديد. يعتقد الوردي أن سادة قريش قد دخلوا الإسلام ليس إيماناً به، بل نفاقاً، واستغلالاً للوضع الجديد. وقد امتلأت أيديهم بالغنائم الكثيرة التي ألف بها الرسول قلوبهم بعد غزوة حنين، لكن موت محمد (ص) فتح أمامهم آفاقاً أخرى. حدثت مماحكات بين أبي بكر وعمر وسادة قريش أثناء خلافة الاثنين. وقد قارن عمر بين علي وعثمان، فقال: لو ولّوها الأجلح ـ علي ـ لحملهم على الجادة، ولو وليها عثمان لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، ولو فعلها لقتلوه". وقد مات عثمان حقاً في أتون الفتنة التي مزقت الإسلام إلى فرق، ويتهم الوردي معاوية بن أبي سفيان ومروان بن الحكم للسعي في مقتل عثمان ومنع الصلح بين المتخاصمين.يؤكد الوردي في دراسته أن تتبعه للتاريخ الإسلامي ليس لأجل التسلية، بل هو دراسة للقيم والمباديء التي أدت لنشوء الصراع المسلح بين جماعة المسلمين. رأى الوردي أن قريشاً لم تنزل من كبريائها، بل تربصت بالإسلام حتى استغلته وأدارته لصالحها بتوليّ بني أمية الحكم. والإسلام الشوريُ الذي دعا إليه محمد في ناحيته السياسية قد صار ملكاً وراثياً لايختلف عما كان عليه قيصر وكسرى.

قراءة في فكر علي الوردي

في هذه المقالة والمقالة التالية سنحاول تسليط الضوء على الدكتور علي الوردي وأهم القضايا الفكرية والاجتماعية التي شغلته. سنركز بشكل خاص على الآراء التي نشرها في كتبه: منطق ابن خلدون، ومهزلة العقل البشري، ووعاظ السلاطين.الدكتور علي الوردي باحث اجتماعي عراقي ولد بكاظمية بغداد سنة 1913 حيث مرقد الإمام موسى الكاظم. وتوفي في الثالث عشر من الشهر السابع تموز سنة 1995. نشأ الوردي فقيراً عصامياً مثابراً يعمل ويدرس ويجتهد، وكان إلى جانب ذلك مولعاً بالقراءة إلى حد النهم بها حتى أنه طرد من محل كان يعمل به بسبب القراءة أثناء العمل.مشواره الأكاديمي أنهى الوردي شهادة البكالوريا سنة 1936 بحصوله على المركز الأول على مستوى العراق، ولذلك أوفدته الحكومة العراقية للدراسة في الجامعة الأمريكية ببيروت. أكمل البكالوريوس عام 1943 ثم سافر للدراسة في جامعة تكساس الأمريكية لينهي الماجستير1948، والدكتوراة عام 1950 في علم الاجتماع، وقد كانت أطروحته للدكتوراة حول نظرية ابن خلدون الاجتماعية.عاد إلى العراق فعُيّن مدرساً في كلية الآداب بجامعة بغداد، ثم أصبح أستاذاً مساعداً عام 1953، ثم تمت ترقيته إلى مرتبة الأستاذية في علم الاجتماع. أحال نفسه إلى التقاعد سنة 1970 ومنحته جامعة بغداد لقب "أستاذ متمرس" وهو أول لقب علمي يحصل عليه أستاذ جامعي في العراق. منذ ذلك التاريخ انكب الوردي على عمله الموسوعي الذي وصفه بعمل العمر "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" الذي لم يستطع تكملته بسبب الظروف السياسية التي مرت بالعراق بعد ذلك، فآثر الوردي السلامة.فكرهركز الوردي كتاباته على قضايا شائكة في الثقافة العربية، كي يعرضها من منظور آخر، غير تقليدي. تميّز الوردي بموضوعيته العلمية التي ساعدته كثيراً في تجاوز الأطر الفكرية التقليدية في قراءة الماضي والحاضر. ولأجل هذا دعا الوردي إلى التحلي بأسس المنطق الحديث في التفكير والتخلي عن "المنطق القديم أو المنطق الأرسطي" الذي حمله المسؤولية الكبرى فيما آل إليه العقل العربي في مجال الدين، والأخلاق، والسياسة. قدم الوردي قراءات جديدة للأخلاق وتطورها في المجتمعات العربية، وكذلك دعا لتحرر المرأة في مجتمعات تشهد تحولات جذرية. ولأن الوردي نشأ في مجتمع يعاني من ثنائية مذهبية (سنة - شيعة) فقد نبش الرجل التاريخ الإسلامي مفتشاً في معضلاته عن قيم غيبها المتخاصمون.المتجادلون حول الورديالمنهج الحر في التفكير والبحث عند علي الوردي أثار حنق الجميع عليه. اتهمه القوميون العرب بالقطرية بعد صدور كتابه الفذ "شخصية الفرد العراقي"، لأنهم رأوا فيه تناقضًا مع أطروحتهم التي تقول إن الشخصية العربية متشابهة في كل البلدان العربية. كذلك هاجمه الشيوعيون لعدم اعتماده المنهج المادي التاريخي في دراساته، ولتوجيه انتقادات اجتماعية في كتاب "مهزلة العقل البشري" لمنهج كارل ماركس. انتقده كذلك علماء الشيعة بعد صدور كتابه "وعاظ السلاطين" وأصدروا عدة كتب للرد عليه لأنه دعا إلى تحرير المذهب الشيعي من بعض الظواهر والطقوس التي يرى الوردي أنها دخيلة على الفكر الشيعي وغير منسجمة مع تعاليم أئمة أهل البيت. أما علماء أهل السنة فقد أخذوا على الكتاب المذكور أنه ينتقد الخلفاء السنة من الأمويين والعباسيين ولذلك اتهموه بالطائفية. علماء اللغة العربية شاركوا في الهجوم على الوردي بعد صدور كتابه "أسطورة الأدب الرفيع" الذي دعا فيه إلى تحرير اللغة العربية من الأقيسة المنطقية في النحو والصرف لتصبح اللغة أداة أفضل للفهم والتواصل، وفيه انتقد أيضاً الأدباء على تمسكهم بالكلاسيكيات الأدبية القديمة وعدم اهتمامهم بما يحدث في العصر الحديث من انقلاب فكري واجتماعي كبير.الوردي وعلم الاجتماعيقول الوردي: إنه اتجه إلى تخصص علم الاجتماع بسبب رغبته الشديدة في فهم طبيعة المجتمع العراقي. لذا قام بتأليف موسوعته "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث". بحث الوردي فيها الكثير من الظواهر الاجتماعية الموجودة في العراق، ورصد تطوراتها وجذورها التي تمتد إلى العهدين العثماني والملكي. ضم الكتاب - أيضًا- دراسات مفصلة للكثير من الشخصيات والأحداث التاريخية التي كانت لها صلة وثيقة بما كان يحدث في العراق مثل الحروب العثمانية الصفوية، وتأثيرها الاجتماعي والطائفي على مكونات الشعب العراقي المختلفة بأطيافه المتنوعة ومذاهبه المتعددة، وكذلك عن الثورة العربية التي انطلقت من الحجاز، وظهور فرقة البابية في إيران وانتقال تأثيرها إلى العراق، والصراع الطائفي بين السنة والشيعة والذي حذر علي الوردي من انفجاره الكبير بعد سقوط الاستبداد السياسي في العراق، وهذا ما حدث فعلاً بعد الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003.يعتبر كتاب "شخصية الفرد العراقي" الذي ألفه الوردي سنة 1950 واحداً من أشهر كتبه التي أثارت نقاشاً حاداً وجدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية العراقية آنذاك. بحث فيه الوردي بشكل خاص ظاهرة ازدواج الشخصية في المجتمع العراقي، واعتبرها ظاهرة اجتماعية وليست نفسية، وأرجعها لوقوع المجتمع العراقي تحت تأثير نسقين من القيم الاجتماعية المتناقضة هما قيم البداوة وقيم الحضارة بحيث يضطر بعض الأفراد للاندفاع وراء نسق قيمي معين تارة ووراء نسق قيمي آخر تارة أخرى وهو ما يولد الازدواج في الشخصية.توقفه عن الكتابةتوقف الدكتور علي الوردي عن التأليف بعد رفض السلطات العراقية السماح له بنشر الجزء السابع من موسوعته "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"عام 1979. وقد أصيب الوردي حينها بالإحباط الشديد بسبب اعتزازه كثيراً بهذا العمل الموسوعي. اتجه الوردي بعدها لكتابة المقالات والردود في الصحف والمجلات العراقية مثل "الثورة" ومجلة "ألف باء" وغيرها. ومما يجدر ذكره أن الوردي منع من السفر إلى خارج العراق بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية صيف 1988، وقد ظل بالعراق إلى أن توفاه الله في الثالث عشر من يوليو 1996.منطق ابن خلدوننظن أن علي الوردي مال بشدة إلى براجماتية ابن خلدون، والأسس المنطقية التي أقام عليها مقدمته الشهيرة. ولن نتعجب هذا بعد أن عرفنا أن جزءًا كبيراً من محور رسالة الدكتوراة لعلي الوردي كانت حول ابن خلدون. إن اختيارنا لكتاب "منطق ابن خلدون" كفاتحة لعرض آراء علي الوردي لم يكن عبثياً، فالمبادئ والأسس المنطقية التي احتضنها هذا الكتاب كانت بمثابة الأسلحة الفكرية التي تسلح بها علي الوردي في مشواره الفكري لتحليل بعض الظواهر الاجتماعية في التاريخ والحاضر العربي.قام علي الوردي في كتاب "منطق ابن خلدون" بتحليل البنية المنطقية التي انتهجها ابن خلدون في تأليف مقدمته، وحاول الإحاطة بالعوامل الواعية واللاوعية التي قادت إلى قيام هذا الفكر. كل الدلائل تشير ـ كما يصف الوردي- إلى أن ابن خلدون قد ثار على الأسس المنطقية التي قام عليها الفكر الإسلامي ـ بشقيه الفلسفي والكلامي ـ والتي استقاها من التراث الإغريقي القديم في صيغته الأرسطوطاليسية. هذه العقلانية الخلدونية تتساوق مع المنطق الحديث ذي الحقيقة النسبية، وهي بطبيعة الحال تتنافر مع المنطق القديم، منطق الحقيقة المطلقة.في بداية كتابه هذا، أفرد الوردي فصلاً كاملاً لعرض خصائص المنطق القديم وأهم مبادئه، التي سيثور عليها ابن خلدون، ثم سيبدأ تداعيها مع ثورة فرانسيس بيكون على التراث الفلسفي القديم. قبل التوقف مع هذا المنطق يجدر بنا الإشارة إلى أن المنطق الأرسطوطاليسي دخل المنظومة الفكرية الإسلامية بشكل كاسح في عصر المأمون العباسي من خلال ترجمة التراث الإغريقي إلى العربية. وقد استخدمت الفرق والطوائف الإسلامية - السياسية والدينية - أدوات هذا المنطق حتى يومنا هذا لادعاء احتكار الحقيقة المطلقة، وتوفير مناخ خصب للإقصائيين في المجال الديني والسياسي والاجتماعي.لابد إذن من عرض بسيط لخصائص المنطق الأرسطي؛ لأن الوردي سوف يتحرك ضد هذا الفكر في مسيرته البحثية والإنتاجية، ولأننا – أي كاتبي هذا المقال- سوف نستعرض الآراء الوردية في الجزء الثاني من هذا المقال أيضا.خصائص المنطق القديم (الأرسطي)تميز المنطق الأرسطي بخصائص عامة لازمته، وقد أفرد لها الوردي الفصل الأول في كتابه هذا. هناك خاصيتان مهمتان ناقشهما الوردي:1. صورية المنطق: ميز المنطق الأرسطي الأشياء إلى صورة ومادة، ونعت المادة "بالهيولى". ركز المنطق اهتمامه بصورة الشيء وشكله ليهمل محتواه ومادته وواقعه. لهذا نرى الأرسطيين ومنهم الفقهاء المسلمون يهتمون بالصورة المتخيلة للشيء ليهملوا الواقع والفائدة الاجتماعية المتأتية منه، وللمثال: تكلموا قديماً عما ينبغي أن يكون في "الخليفة" أو "الإمام" من الصفات الخُلقية والدينية لكن تداول الخلافة على أرض الواقع كان تمام البعد عما سطره الفقهاء في كتبهم. قارئ التراث الإسلامي يرى خصوبة تأليفية امتازت بها جميع المذاهب في رسم الصورة المثلى للنظام السياسي ولرئيسه، لكنهم قلما كتبوا حول النظام الذي يظلهم. ضرب الوردي مثالاً آخر عن صورية الفقه الإسلامي، فهذا الفقه حرّم النظام المالي المعاصر بتحريمه للبنوك والتعامل معها بحجة أنها بنوك ربوية. لقد قام الفقهاء بربط "صورة" ربا الجاهلية ـ المنهي عنه في الإسلام- بصورة البنوك التي تعمل على تدوير المدخرات المالية بين الزبائن، فهذه البنوك "تأخذ المال ممن لا يستطيعون استثماره وتعطيه إلى القادرين على استثماره بفائدة بسيطة". يعلق الوردي على أصحاب الذهنية التحريمية بأنه "يكفيهم في حرمة العمل أن يكون في الصورة المنهي عنها، وليس المهم بعد ذلك أن يكون من الناحية العملية عملاً ضاراً أو نافعاً". صورية المنطق نلاحظها بتجلٍ آخر عند الفقهاء، نراها في تعاملهم مع إشكالية الموسيقى في هذا العصر. إنهم يحرمون الموسيقى والغناء؛ لأن السلف حرمها "بالصورة" التي هي عليها الآن. لقد حرم السلف ضرب الأوتار وغناء القيان. لكن فقهاءنا اليوم يبيحون الأناشيد والتواشيح الدينية التي تحتوي على الدفوف والتأثيرات الصوتية البشرية والطبيعية؛ لأن هؤلاء المنشدين لا يستخدمون الفتيات الحسان ولا الآلات الوترية والمزامير رغم الإيقاع الموسيقي الناتج عن هذه التأثيرات الصوتية "الطبيعية". 2. استنباطية المنطق: تميز هذا المنطق أيضًا بأنه استنباطي، فهو يبحث عن كليات عقلية عامة كي يستنبط منها النتائج الخاصة. وعلى هذا يقوم القياس الذي يتألف عادة من: مقدمة كبرى، ومقدمة صغرى، ونتيجة. يضرب الوردي مثلاً لهذا:- كل إنسان فان (مقدمة كبرى)- سقراط إنسان (مقدمة صغرى)- إذن سقراط فان (نتيجة)تنشأ إشكاليات عديدة بسبب استخدام هذا المنهج، أولها أن المقدمة الكبرى التي تعد حقيقة بديهية في عرف أهل هذا المنطق هي ليست كذلك في الحقيقة، فالعلم الحديث يرفع راية النسبية وقابلية البحث في جميع النواحي. الإشكالية الأخرى هي أن هؤلاء استخدموا الآيات والأحاديث كمقدمات لأقيستهم المنطقية، وهي ـ بطبيعة الحال- قابلة لإعطاء النتائج المبتغاة من خلال المقدمة الصغرى. لذلك نرى الفرق والمذاهب الإسلامية تتجادل منذ قرون عديدة في ذات المسائل وبالاعتماد على نفس الآيات والأحاديث دون إقناع أحدهم الآخر، فكل فريق يخرج بنتيجة مغايرة عن الآخر حتى وإن استخدموا الآيات والأحاديث الدينية ذاتها. يضرب الوردي مثلاً لهذه الجدليات بحادثة استشهاد الحسين بن علي، فبعض الفرق الإسلامية قالت: إن الحسين كان شهيداً ومحقاً بخروجه على يزيد، وقالت فرق أخرى إنه مخطئ حاول تفريق الأمة ووجب قتله.مبادئ المنطق الأرسطيإضافة لتلك الخصائص، عدد الوردي مبادئ قام عليها المنطق الأرسطي منها: مبدأ العقلانية؛ فقد وثق المناطقة في العقل وقدرته المطلقة في الحكم على الأشياء دون الرجوع إلى الحواس. مبدأ السببية؛ اعتقدوا أن لكل سبب مسببا، لكنهم عندما يجهلون السبب ينكرون الواقعة برمتها أو يلجأون إلى تعليق السبب على الله فلا يبحثون عنه! مبدأ الماهية؛ فقالوا إن حقيقة الشيء ثابتة لا تتغيير بمرور الزمان، فالشيء الخيِّر يبقى خيراً، والشرير يظل شريراً، ثم قالوا أيضًا: إن النقيضين لا يجتمعان في الشيء، فالخير مطلق، والشر مطلق ولا يمكن أن يكون المرء ـ مثلاً- خيراً في فعل، وشريراً في فعل آخر. واعتقد المناطقة أيضًا بقانون الوسط المرفوع؛ فلا مجال لدرجة بين الدرجتين، فلا وسط بين القبيح وبين الحسن.إن المبادئ التي طبعت المنطق الأرسطي جعلته ذهنياً تجريدياً خالصاً لا يتأثر بتغير الظواهر في الطبيعة، ولذلك لم يستطع هذا المنطق استقراء الطبيعة وتفسير ظواهرها وبيان عللها؛ لأن أصحابه تنزهوا عن ذلك بسبب تغيرها المستمر وحركتها الدؤوب، وفي عرف هذا المنطق أن المتغير أقل درجة من الثابت. على النقيض من ذلك نشأت فلسفة العلوم التجريبة الحديثة التي أدركت أن التغير والتطور هو سنة طبيعية.فلسفة ابن خلدون المجتمع المثالي نشأ نتيجة للتفكير المثالي الذهني المجرد فهو يفترض الصورة النقية والصحيحة للشيء: الدين الصحيح، والمذهب الحق، والمدينة الفاضلة للفارابي. إن المثاليين لا يتصورون أن الشيء قد يكون: حسناً وقبيحاً، صالحاً وطالحاً في ذات الوقت. بل يعتبرون هذه الوضعية منافية لما أراده الله لعباده إن تكلمنا عن الجانب الديني هنا. ينطبق هذا على نظرة المثاليين للأنبياء والصحابة والمعصومين. يعتقد المثاليون أن هؤلاء منزهون فهم لا يخطئون بل توافقهم الإصابة والتوفيق دائماً. برزت تجليات هذه النظرة في العقائد الصوفية والشيعية التي مجدت الأولياء وأهل البيت، فأضفت على طبيعتهم البشرية طبائع أخرى.لقد حلل الوردي مقدمة ابن خلدون، واستقرأ الأسس المنطقية التي تقوم عليها، فوجدها تقوم على المشاهدات الحسية والمتغير في تاريخ المجتمعات. لم ينظر ابن خلدون للمعطيات التي أمامه من أعلى السماء، بل نظر إليها من الأرض حيثُ هي، وبذلك ناقض ابن خلدون المنطق الأرسطي المثالي. انقلب ابن خلدون على قانون "الماهية" في الفكر الأرسطي حينما تحدث عن البداوة والحضر، فقد ميّز في كل منهما صفات حسنة وسيئة، ولم ينظر إليهما بشكل مطلق، أبيض أم أسود.الأخلاق عند ابن خلدونآمن ابن خلدون، وآمن الوردي معه أن الظروف الاجتماعية والبيئية تشكل الأخلاق. ولهذا فمطالبة الناس باتخاذ أنماط معينة من الأخلاق هو ضرب من العبث إن كانت البيئة الحاضنة لا تدعمه. يقتبس الوردي من توينبي أن الظروف الجيولوجية أدت لتشكل الصحراء في المنطقة العربية، وهذا بدوره قسّم سكانها إلى فريقين: بدو يتنقلون خلف المرعى، وحضر استوطنوا الأنهار المجاورة ممتهنين الزراعة. ويسترسل توينبي أن قصة آدم وسقوطه من الجنة ليست سوى رمز لهذا التحول الجغرافي. وترمز قصة ابني آدم قابيل وهابيل للصراع بين البداوة والحضارة، فقد جاء في التوراة أن هابيل كان راعياً، وقابيل كان مزارعاً.حينما ندرك أثر البيئة في تشكيل الإنسان وأخلاقه، سنفهم سر تواصل المواعظ الدينية منذ قرون على آذان الناس دون أن يتمسك الناس بما في هذه المواعظ. لا يستطيع سكان المدن التوقف عن الغش والكذب والاحتيال، وقد جاء في الأثر أن شر الأماكن هي الأسواق. ولا يستطيع البدو التوقف عن النهب والسطو والإغارة. نمط البيئة في كل منهما يحتم على أهلها اتباع هذه الأخلاق كي يستطيع النجاة والتأقلم، ثم يوفر مكانة أفضل له في بيئته.شيوع المدنية الحديثة، وتحول نسبة مهمة من التجمعات البدوية والريفية في العالم أدى لتوسع رقعة الحضر. ولا بد هنا أن يتغير مفهوم الأخلاق مرة أخرى. يقول الوردي: إن الأخلاق الجديدة أصبحت قائمة على أساس أن يكون الإنسان مؤدباً مع غيره نافعاً لهم غير ضار. ولا يهم المجتمع بعد ذلك أن ينغمس الإنسان في ملذاته كما يشتهي، فهذا أمر عائد له وحده. إذن لم يعد المجتمع الحديث ينظر للفرد بناء على مثالية أخلاقه، بل على مدى نفعه وضره لهذا المجتمع.الدولة في نظر ابن خلدونيعتقد ابن خلدون أن الدولة قوية في بدايتها، ما حافظت على عصبيتها، ثم تضعف بانتشار الترف. بناءً على هذا قسم ابن خلدون الدولة إلى مراحل عمرية حضارية تنتهي بانتشار الفساد والضعف في أجهزة الدولة وغياب العدل فتأتي عصبية أخرى لتؤسس دولة جديدة. يخالف هذا النظرة الإسلامية التقليدية التي تؤمن أن الدول تنهار بابتعادها عن شرع الله. لقد ظن الفقهاء أن الانحطاط السياسي للدولة هو بسبب البعد عن الدين والسنة، ولهذا بالإمكان الرجوع إلى القوة بإعادة التمسك بالأصول. بينما يرى ابن خلدون أن دولة الإسلام استنفدت ما عندها ويجب عليها إفساح المجال لحضارة أخرى قادمة. لم يتوان ابن خلدون عن تبيان جهل الفقهاء وأهل الدين بالسياسة، بل وطالب أهل العصبية (الساسة) بإبعاد أهل الدين عن مراكز اتخاذ القرار السياسي؛ لأنهم لا يرون الأمور نظرة واقعية بل يقيسونها على المثالية التي يتصورونها في المجتمعات. والمتتبع لمصنفات الفرق الإسلامية المختلفة في رؤيتها للدولة القائمة في حينه، يراها إما إيجابية أو سلبية مطلقة. ساد في أدبيات هذه الفرق منطق "هذا من شيعتي، وهذا من عدوي"، فالدولة التي "من شيعتي" هي دولة عادلة، خارجيٌ كل من ثار عليها، والعكس صحيح أيضًا فقد اعتبر الفقهاء بعض الدول سيئة طالحة مغتصبة للحق من أهله، لم تقم عدلاً ولم تفعل خيراً. لكن ابن خلدون يرى أن الدولة تكون جيدة ما أقامت العدل بين الناس، ومتى ما ساءت وضعفت فإنها تنتظر مرور عصبية أخرى تطالب بتكوين دولة جديدة.إلاّ أن نظرية العصبية السياسية للدولة التي كان أول من لاحظها ابن خلدون لم تعد تتناسب مع هذا الزمن، فالدول الحديثة لا تقوم على العصبيات إلاّ فيما شذ وندر. الدولة الحديثة تقوم على العقد الاجتماعي والديمقراطية حيث تحترم الدولة الإنسان وخياراته ولا تتدخل فيها مادام لا يؤثر بذلك على الآخرين، ويقوم الفرد بالمقابل بدفع الضرائب للدولة التي تسهر على المصلحة العامة. لكن الدولة الحديثة التي يصنعها الإنسان لا تستهوي المثاليين. إنهم لا يستسيغونها؛ لأنهم يرون الإنسان من السماء، لا من الأرض.