5 يوليو 2010

قراءة معرفية في النظرية البلورالية ( التعددية )





في مقال سابق في ملحق «شرفات» قدمت لمحة بسيطة ومختصرة عن المعرفة الدينية والتعددية عند المفكر الايراني عبدالكريم سروش مع نبذة بسيطة عن حياته العلمية وفي هذا المقال سوف أحاول التوسع قليلا لشرح نظرية التعددية الدينية التي طرحها الدكتور سروش أول مرة في كتابه «القبض والبسط في الشريعه» ثم توسع في البحث فيها وشرحها في كتابه «الصراطات المستقيمة» وفي عدد آخر من مقالاته الأخرى والتي إعتبرها قراءة جديدة لنظرية التعددية الدينية وقد أثارت هذه النظرية جدلا فكريا ودينيا واسعا جدا في إيران وخارجها وخاصة من التيار الديني المحافظ والذي يسميه سروش بالحصريون.



وقد أطلق الدكتور سروش على نظريته الجديدة حول التعددية الدينية بالنظرية البلورالية تشبيها بالأحجار الكريمة التي يكون تعدد أسطحها سببا لتعكس جمالية الشكل والألوان ويشرحها قائلا: بإنها تعني الاعتراف برسمية التعدد والتنوع في الثقافات والأديان واللغات والتجارب البشرية ويعد سروش نظريته الجديدة بإنها تعد من نتاجات الحضارة الجديدة وإنها تبحث في مجالين مهمين أحدهما الأديان والثقافات والآخر في المجال الاجتماعي فهناك بلورالية في المعرفة الدينية وبلورالية في المجتمع ويعتقد الدكتور سروش بإن الأشخاص الذين يذهبون إلى القول بالتعددية على المستوى الثقافي والديني لا يمكنهم التنكر لمقولة التعددية الاجتماعية.



ونحن بدورنا نسأل الدكتور سروش عن من يعتقدون بالبلوراية الاجتماعية فهل من المحتم أيضا أن يؤمنوا بالبلورالية الدينية؟ غالب الظن بإن الجواب هو النفي لإن البلورالية الاجتماعية قائمة على مبدأ إحترام ثقافات والعادات والتقاليد الاجتماعية للآخرين والقبول بمبدأ التعايش الاجتماعي والسلمي معهم وهو مبدأ دنيوي واجتماعي ومن السهل جدا التقبل والايمان به وخاصة في المجتمعات المتعددة الثقافات والمذاهب والأديان ولكن من المحال الاعتراف به من الناحية الدينية لإنها قائمة على النص الذي يرفض الاعتراف بالآخر والايمان بمشاركته في الحقانية في العقيدة لإن القاعدة النصية الثابتة لدى جميع المذاهب والأديان في العالم إنها على الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وإن غيرها على الباطل ولولا هذا الاعتقاد الديني لما تفرق الناس والأمم والشعوب إلى مذاهب وأديان وطوائف مختلفة ولعلنا نذكر هنا عقيدة الفرقة الناجية والتي لا يزال الاعتقاد بها والايمان بمضمونها راسخا لدى الغالبية من المسلمين على إختلاف مذاهبهم ومشاربهم.



تقوم النظرية البلورالية حسب ما شرحها الدكتور سروش على دعامتين رئيسيتين وهما:



الأول: هو نوع الأفهام في تأملها وفهمها للنص الديني إذ إن فهمنا للنصوص الدينية متنوع ومتعدد بالضرورة وهذا التنوع والتعدد لا يقبل الاختزال إلى فهم واحد وليس هذا الفهم متنوعا ومتعددا فحسب بل سيالا أيضا وأنا أرى إن الاعتراف بالفهم الآخر للنص الديني سوف تحل الكثير من الاشكاليات في الفكر الاسلامي وخاصة جمود النص الديني وإغلاق باب الاجتهاد وأيضا سوف يساهم بنسبة كبيرة إلى حل مشكلة التعصب الطائفي بين المذاهب الاسلامية المختلفة ويعتقد الدكتور سروش بإن المعرفة الدينية ليست سوى الشروح والتفاسير في تاريخ الاسلام والقائمة على فهم النص وبذلك فليس أمامنا سوى الاعتقاد بنسبية المعرفة الدينية والتعددية.



الثاني: التنوع في فهم التجارب الدينية حيث يرى سروش بإن تعدد التفاسير يمثل في الواقع وجوها متعددة للحقيقة وبتعبير ديني معروف إن لله تعالى ألف اسم واسم فالحقيقة لا تتمثل في مظهر واحد ولا إنها تتمتع بوجوه متعددة فحسب بل إن رؤية الناظرين لهذه الحقيقة بمناظر متعددة له دخل بتنوع التفاسير لها.



نظرية التعددية ومذهب ابن عربي:



وعندما نقرأ عن نظرية الدكتور سروش عن التعددية الدينية والصراطات المستقيمة فإننا لا شك نتذكر العارف الصوفي الكبير محيي الدين بن عربي الذي دعا إلى وحدة الأديان وحقانيتها في أبياته الجميلة التي أنشدها منذ قرون ولا تزال تتردد صداها إلى اليوم وهي:



لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي * إذا لم يكن ديني إلى دينه داني



وقد صار قلبي قابلا كل صورة * فمرعى لغزلان ودير لرهبان



وبيت لنيران وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن



أدين بدين الحب أنى توجهت * ركائبه فالحب ديني وإيماني



وقد تطرق إبن عربي إلى هذه المسألة وعقيدته في وحدة الأديان في الفص الثاني عشر من كتابه الشهير «فصوص الحكم» وقال بإن الاله لا ينصر المؤمن به على إنفراد وإنما ينصر مجموع أهل الاعتقادات بمعنى إن الله ليس إلها خاصا لطائفة معينة من الناس أو لشعب خاص من الشعوب وإنما هو رب العالمين ولكل الناس على اختلاف أفكارهم واعتقاداتهم وأديانهم فهو جلا وعلا يسمع دعاء إنسان يعيش في غابات الأماوزن أو أحد أدغال إفريقيا بنفس الدرجة التي يسمع فيها لآخر يدعوه من إحدى بقاع المسلمين المترامية الأطراف ويستجيب للجميع من دون إستثناء أو إقصاء لهذا الطرف أو ذاك.

وللصوفية وأهل التصوف كلام كثير وجميل في وحدة الأديان والتعددية الدينية وخاصة في قصائد العارف والشاعر الكبير إبن الفارض والحلاج والسهروردي وغيرهم والمقام لا يسع لذكرها هنا.



الجاحظ ونظرية التعددية:



وقريب من نظرية الدكتور سروش والعارف الكبير إبن عربي ينقل الدكتور علي الوردي في كتابه «مهزلة العقل البشري» إن المفكر والأديب العربي الكبير الجاحظ كان ممن يرى رأيا متسامحا في مسألة الأديان حيث نقل عنه القول بإن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب الكافرين على كفرهم إلا من كان منهم معاندا حقا وهو الذي يقتنع بصحة الدعوة ولكنه يؤثر الكفر عليها بدافع من مصلحته الشخصية.

ونحن نرى أنه من النادر أن نجد شخصا مقرا بحقانية دين من الأديان أو رأي من الآراء ثم يميل إلى جحدها وإنكارها جحودا وعنادا لها وخاصة عامة الناس البعيدون عن مسائل المعرفة والاجتهاد والنظر ووفقا لذلك فأنا أرى إن نظرية الجاحظ هو قريب جدا من نظرية التعددية للدكتور سروش.



التعددية ونفي احتكار الحقيقة:



ويرى الدكتور عبد الكريم سروش بأنه يعتقد وفقا لقراءاته المتعددة وأبحاثه في مجال المعرفة الدينية والتعددية أنه لا يوجد مذهب واحد يمثل الاسلام الخاص ولا يوجد تفسير واحد يمثل التفسير الصحيح للقرآن الكريم ولا عقيدة المسلمين نقية من الشرك ولا العقيدة المسيحية وإن العالم الدنيوي مليء بالهويات الملوثة وغير الخالصة فلا يوجد حق صريح وخالص من جهة وباطل كثيف وخالص من جهة أخرى وعندما نذعن لهذه الحقيقة فستكون الكثرة أقرب إلى الهضم والمقبولية.

إذن فإن الدكتور سروش يحاول في نظريته هذه تفكيك المنظومة الدينية التقليدية والتي تحصر الحق في اتجاه واحد فقط أو طائفة واحدة فحسب عبر طرح مفاهيم ونظريات جديدة والتوسع في مفهوم الهداية بحيث تشمل المذاهب والأديان الأخرى وخاصة التوحيدية منها.



ولذلك فإن الدكتور سروش ينفي أنه يقصد من التعددية نفي المذهب الفردي للشخص وإنما يقصد كما يقول إلى تحقيق رؤية أفضل إلى المذهب أو الدين وهضم هذه الحقيقة وهي إن الكثرة أو التنوع أمر طبيعي وبشري وغير قابل للإجتناب.



وقد أثارت هذه النظرية الكثير من الجدل في داخل إيران وخارجها من رجال الدين وخاصة من التيار الديني المحافظ الذين أتهموا الدكتور سروش بأنه يروج لنظرية النسبية بين الحق والباطل وبانه يريد أن يروج إن أصحاب العقائد المنحرفة والغارقة في الشرك والوثنية مثل عباد الأصنام الجاهلية وغيرها لهم نصيب من الحقيقة تماما مثل المسلمين ولكني من خلال مطالعتي لكثير من كتب ومحاضرات الدكتور سروش لم ألحظ منه مثل هذه المقولات التي ربما أعتمدوا عليها من خلال تأويل خاطئ أو قراءة غير منصفة لنظريته فالدكتور سروش يقول في كتاباته بأنه لا يريد من نظريته إمضاء مقولة النسبية بين الحق والباطل لأنه يرى إن الحق والباطل يفتقدان إلى معنى مستقل وإن كل فرقة ومذهب ودين لها الحق في كل ما تدعي وتزعم ولكن لا يلزم من ذلك إن ما تدعيه وتقوله هي الحقيقة المطلقة ويقول أيضا بإن هذا العالم هو عالم عدم الخلوص في كل شىء سواء في عالم الطبيعة أو عالم الشريعة وسواء في ذلك الفرد أو المجتمع والسر في عدم الخلوص والنقاء هو بشرية الدين فعندما ينزل مطر الدين الخالص من سماء الوحي على أرض الفهم البشري فسيتلوث بإفرازات الذهن وعندما تتحرك العقول لغرض فهم الدين الخالص فإنها تقوم بخلطه بما لديها من أفكار وقيود وتعمل على تلويثه ولذلك نرى إن التدين يجري بين الناس كالماء الملوث إلى يوم القيامة وهناك سيحكم الله بين عباده في ما يخص اختلافاتهم يقول الله تعالى « وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون « (النحل الأية 124)



مفهوم الهداية وترسيخ التعددية:



ومن المباني التي يستشهد بها الدكتور عبد الكريم سروش في تعزيز نظريته في التعددية الدينية اسم «الهادي» لله سبحانه وتعالى إذ يتساءل قائلا «كيف نتصور معالم الهداية الالهية متجسدة على أرض الواقع إذا كان يحرم منها مليارات من البشر من دون المسلمين؟ إذ إننا بهذا المنطق نستطيع أن نقول بإن الأغلبية من البشر ستعيش تحت سيطرة إبليس وسلطانه بينما تقف منطقة صغيرة جدا في إجواء الهداية الالهية وبهذا المنطق يعتقد الدكتور سروش بإن هذه الملاحظات البديهية تدفع بالانسان إلى توسعة دائرة الهداية والسعادة ليرى كيد الشيطان ضعيفا كما يقول القرآن الكريم ويعتقد بإن للآخرين نصيبا من النجاة والسعادة والحقانية وهذه هي روح التعددية التي يدعو إليها الدكتور عبد الكريم سروش».



التعددية والسلام العالمي:



إن فك الارتباط بين مفهوم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة والدين الحق وغيرها من أطروحات الحل النهائي والحصري في الخطاب الديني وبين مفهوم الهداية تمهد لخلق وتأسيس منظومة تعددية تكاملية تساهم في نشر وترسيخ ثقافة التسامح والسلام في الاسلام بل وفي جميع المذاهب والأديان والفلسفات الدينية المختلفة وتساهم أيضا وفق ذلك على القضاء على فكر الغلو والتشدد والتطرف التي تعاني منها اليوم مختلف المجتمعات الاسلامية وخاصة المتعددة الطوائف منها كما إنها تساهم في ترسيخ ثقافة المواطنة في المجتمع وتحول الولاء الشخصي من الطائفة والدين إلى الأرض والوطن فقط.

هذا المقال نشر في ملحق " شرفات " في جريدة عمان بتاريخ 18 / 3 / 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق